كيف يصبح الخطأ مقبولًا في ضمير صاحبه؟

كيف يتحول الاستثناء الذي نبرره لأنفسنا إلى ممارسة تُضعف العدل داخل المؤسسة؟

قد يرفض الإنسان الظلم بصدق، ثم يجد لنفسه عذرًا حين يكون هو المستفيد منه. لا يغيّر بالضرورة القيم التي يعلنها، وإنما يمنح الواقعة اسمًا يخفف وطأتها في ضميره: ضرورة، أو وفاء، أو استثناء تستدعيه المصلحة. تلك المسافة بين ما نؤمن به وما نسمح لأنفسنا بفعله هي ما أتوقف عنده في الباب الفلسفي والإنساني من «الفساد المقنّع». فالعدل يبدو سهلًا حين نتحدث عنه بعيدًا عن مصالحنا. ويبدأ اختباره حين يقتضي التنازل عن امتياز، أو الاعتراف بحق شخص نختلف معه، أو رفض منفعة نستطيع الوصول إليها. في هذه اللحظة يتضح وزن القيمة في القرار، ويصبح تفسيرنا لأنفسنا جزءًا من المسألة. لنتصور مسؤولًا يرفض المحاباة من حيث المبدأ، ثم يدافع عن استثناء لشخص قريب منه بدعوى الثقة أو الوفاء. قد توجد مبررات مهنية تستحق النظر، لكن الاختبار يبدأ بالسؤال: هل كان سيقبل المبررات نفسها لو استفاد منها شخص آخر؟

حين يتغير معيارنا بتغير المستفيد، تظهر فجوة بين القيمة التي نعلنها والقاعدة التي نعمل بها. ومراجعة هذه الفجوة تتطلب استعدادًا للاعتراف بأن ما يبدو مريحًا لنا قد لا يكون عادلًا لغيرنا. وتتسع هذه الفجوة حين تساعد اللغة على منح الفعل صورة أكثر قبولًا. فقد توصف محاباة بأنها وفاء، أو يُقدَّم إقصاء رأي مخالف بوصفه حماية للانسجام. ليست هذه الكلمات دليلًا على الانحراف في ذاتها؛ فلكل منها معنى مشروع. موضع الفحص هو مدى اتصال الاسم بالفعل الذي يصفه. ولعل ما يكشف أثر اللغة أن نسأل: لو نزعنا عن القرار عباراته التجميلية، فكيف سنصف ما حدث؟ من نال المنفعة؟ ومن تحمل التكلفة؟ وهل تبقى الحجة مقنعة إذا تغيّر موقعنا من القرار؟

ثم يجد التبرير ما يسنده في البيئة المحيطة. فإذا صُوّر الاعتراض على ممارسة باعتباره خروجًا على الولاء، فقد يجد الفرد نفسه أمام مفاضلة بين القبول الاجتماعي والالتزام بما يراه صوابًا. فهم هذا الضغط لا يعفيه من المسؤولية، لكنه يساعد المؤسسة على مراجعة مناخها: هل تسمح بسؤال مهني مخالف؟ وهل تميز بين النقد والإساءة؟ وهل تمنح صاحب الرأي مساحة لشرح حجته قبل الحكم على ولائه؟

إن الثقافة التي تحتمل السؤال تساعد على إبقاء المعايير قابلة للفحص، بينما يصعب تصحيح ممارسة تُمنح حصانة لمجرد شيوعها أو ارتباطها بشخص ذي مكانة. ومن هنا تتصل حماية النزاهة بقدرتنا على إعادة القواعد إلى مقاصدها، مع إبقاء الحكم على الأشخاص مرتبطًا بالأدلة. فالتأمل الأخلاقي ليس أداة لقراءة الضمائر، وإنما وسيلة لمراجعة مبرراتنا وما نسمح لأنفسنا باستثنائه. يمكن أن يبدأ ذلك بسؤال بسيط قبل القرار: هل أستطيع الدفاع عن هذا المعيار إذا طُبّق عليّ، أو على من أختلف معه؟ يفتح السؤال مساحةً بين الرغبة والتصرف، يمكن فيها للإنسان أن يصحح اختياره قبل أن يتحول التبرير إلى عادة.



محمد بن علي العطيفي

قائد تنفيذي | مستشار استراتيجي | خبير في التحول المؤسسي

محمد بن علي العطيفي

قائد تنفيذي | مستشار استراتيجي | خبير في التحول المؤسسي

محمد بن علي العطيفي

قائد تنفيذي | مستشار استراتيجي | خبير في التحول المؤسسي