حين تنجح الاستراتيجية وتخسر المؤسسة
قد تنفذ مؤسسة خطتها بدقة، ثم تكتشف أن السوق الذي بُنيت عليه افتراضاتها قد تغيّر. فكيف تحافظ القيادة على اتجاه واضح دون أن تتحول الخطة إلى عبء على القرار؟
تخيّل اجتماعًا تحتفل فيه الإدارة بإنجاز معظم مبادراتها، بينما يغادر العملاء إلى منافس لم يكن حاضرًا في الخطة. المشاريع اكتملت، والميزانيات صُرفت، ومؤشرات التنفيذ تبدو مطمئنة؛ لكن المؤسسة أصبحت أقل أهمية في السوق. هذا المشهد الافتراضي يكشف سؤالًا يغيب خلف تقارير الإنجاز: هل نتقدم نحو موقع أفضل، أم ننفذ بكفاءة تصورًا فقد صلاحيته؟
تبدأ الاستراتيجية من اختيار يستحق الالتزام: أي عميل نخدم؟ وأي مشكلة نحل؟ ولماذا يختارنا على غيرنا؟ وما الذي سنمتنع عن فعله حتى لا تتبدد مواردنا؟ أما قائمة المشاريع فتأتي بعد ذلك. وقد تزدحم المؤسسة بالمبادرات لأنها لم تحسم خياراتها، فيصبح النشاط الكثيف وسيلة لتأجيل السؤال عن الاتجاه.
ولهذا أرى أن المقارنة بين استراتيجية تقليدية وأخرى حديثة أقل فائدة من السؤال: أي منطق استراتيجي يناسب البيئة التي نعمل فيها؟ ففي كتاب Your Strategy Needs a Strategy، يطرح Martin Reeves وKnut Haanæs وJanmejaya Sinha فكرة تعدد الأساليب بحسب طبيعة السوق. فثمة بيئات يناسبها التخطيط لتثبيت موقع تنافسي، وأخرى تحتاج إلى التكيف المتكرر، وبيئات يمكن التأثير في تشكيلها بالتعاون مع أطراف أخرى. وقد تحتاج المؤسسة الواحدة إلى أكثر من أسلوب في الوقت نفسه.
هذه الفكرة تغيّر نقطة البداية. فقبل أن نسأل عن مستهدف السنوات الخمس، علينا أن نسأل عما نستطيع معرفته، وما يمكننا التأثير فيه. إذا كانت قواعد النشاط مستقرة، تصبح دقة التخطيط ذات قيمة كبيرة. وإذا كان استعداد العميل للدفع مجهولًا، فإن زيادة تفصيل التوقعات لا تعوّض غياب الاختبار. وقد تكون أول مهمة استراتيجية هي اكتشاف ما إذا كانت الفرصة موجودة أصلًا.
هنا تكتسب التجربة معنى مختلفًا. لنفترض أن شركة تريد إطلاق خدمة باشتراك سنوي. تستطيع بناء عرض مالي جذاب، لكن المشروع يظل معلقًا على افتراضات حاسمة: هل يحتاج العميل الخدمة؟ وهل يدفع سعرها؟ وهل يجدد اشتراكه؟ أقترح أن يبدأ التمويل باختبار هذه الأسئلة، وأن يرتبط التوسع بأدلة محددة سلفًا. بذلك تشتري المؤسسة معرفةً قبل أن تتحمل التزامًا يصعب الرجوع عنه.
ولا تعني هذه الطريقة تحويل الشركة إلى مختبر دائم. فالتجربة التي لا تحدد ما الذي سيُبنى على نتيجتها قد تصبح نشاطًا بلا نهاية. يجب أن نعرف قبل إطلاقها: ما النتيجة التي تبرر التوسع؟ وما الذي يستدعي التعديل؟ ومتى نتوقف؟ فمرونة القرار تحتاج إلى معايير أشد وضوحًا، وإلا تحولت إلى تبديل مستمر للرأي.
لكن التعلم لا يصنع ميزة ما لم يغيّر توزيع الموارد. وهذا ما يضيئه David J. Teece في إطار القدرات الديناميكية Dynamic Capabilities: استشعار الفرص والتهديدات، واغتنام الفرص، وإعادة تشكيل الموارد والقدرات. فمعرفة التحول خطوة أولى، تتبعها القدرة على نقل المال والمواهب والاهتمام الإداري إلى حيث تتغير فرص المنافسة.
ومن هذه الزاوية، قد تكون المشكلة في مؤسسة ما أنها تعرف أكثر مما تستطيع أن تفعل. ترى تراجع جاذبية نشاط قديم، لكنها تستمر في تمويله لأن له نفوذًا داخليًا، أو لأن الاعتراف بتراجعه يحرج من تبناه. وتدرك أهمية نشاط جديد، لكنها تتركه بميزانية هامشية وصلاحيات محدودة. عندها تكشف حركة الموارد حقيقة الاستراتيجية أكثر مما تكشفها العروض المقدمة للمجلس.
وتزداد المسألة تعقيدًا حين يكون النشاط القائم ناجحًا. كيف نحافظ على مصدر الأرباح ونمنح فرصةً لنشاط قد يغيّر طريقة تحقيقها؟ هنا تفيد البراعة التنظيمية Organizational Ambidexterity، التي تتيح الجمع بين أساليب مختلفة لإدارة أعمال تواجه ظروفًا مختلفة. فالانضباط المناسب لنشاط مستقر لا يلائم بالضرورة مشروعًا ما زال يبحث عن نموذج قابل للنمو.
وأترجم ذلك عمليًا إلى اختلاف معايير التقييم. يُسأل النشاط الناضج عن الجودة والربحية وكفاءة التشغيل، بينما يُسأل المشروع الناشئ، ضمن حدود زمنية ومالية واضحة، عن الفرضيات التي اختبرها والدليل الذي اكتسبه. إخضاع الاثنين للمقياس نفسه قد يدفعنا إلى إغلاق فرصة واعدة مبكرًا، أو إبقاء تجربة ضعيفة طويلًا تحت شعار الابتكار.
كما أن التكيف مع السوق ليس الاحتمال الوحيد. يلفت إطار Strategy Palette إلى إمكانية تشكيل السوق عبر تنسيق جهود أطراف متعددة. فقد تتوقف قيمة خدمة جديدة على تكاملها مع شركاء وموزعين ومقدمي تقنيات. وهنا يصبح السؤال الاستراتيجي: كيف نجعل نجاح الآخرين متصلًا بنجاحنا، وما الموقع الذي نستطيع الدفاع عنه داخل هذه المنظومة؟
يبقى السؤال الأصعب: متى نتمسك، ومتى نغيّر؟ أرى أن الإجابة تبدأ بالفصل بين تعثر التنفيذ وسقوط الفرضية. إذا ظل احتياج العميل قائمًا ومنطق الربح سليمًا، فقد يكون المطلوب إصلاح التنفيذ والصبر على نتائجه. أما إذا نقضت الأدلة سبب الاستثمار نفسه، فإن ضخ المزيد من الموارد يحتاج إلى مبرر جديد. وما أنفقناه بالأمس لا يكفي وحده لتبرير ما سننفقه غدًا.
لذلك ينبغي أن يسأل مجلس الإدارة، إلى جانب نسب الإنجاز: ما الذي تعلمناه ويستدعي تغيير قرار؟ وأي افتراض حاسم أصبح أضعف؟ وما النشاط الذي يستحق موارد إضافية، وأي التزام ينبغي تقليصه؟ وتحتاج الإدارة بدورها إلى توثيق أسباب التعديل، حتى يبقى التعلم قابلًا للتمييز عن التبرير، والمرونة قابلةً للمساءلة.
الاستراتيجية الناضجة تعرف ما الذي يستحق الثبات، وما الدليل الذي يستوجب التغيير. وأخطر إخفاقاتها أن تتحول الخطة من وسيلة لبناء المستقبل إلى سبب للدفاع عن الماضي.