حين تصبح للرشوة إدارة… وللفساد حصانة

حين يطمئن الفساد إلى حصانته، يصبح للرشوة إدارةٌ وميزانيةٌ داخل شركة كبرى. كيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟

في كل دقيقة تمر من عمر البشرية، تُدفع ملايين الدولارات لشراء قرار أو امتياز أو صمت. ولو وزّعنا تقديرًا دوليًا نُشر عام 2016 للكلفة السنوية للرشوة، والبالغ بين 1.5 وتريليوني دولار، على دقائق السنة، لوجدنا أن العالم يدفع ما بين 2.9 و3.8 ملايين دولار كل دقيقة. رقم يصعب تخيّله، لكنه لا يحيط بالخسارة؛ لأن المال المدفوع لشراء القرار قد يكون أصغر بكثير من الضرر الذي يصنعه ذلك القرار.

ولفهم كيف تُدار هذه الأموال، تأمل اسمًا يبدو مألوفًا في عالم الشركات: «قسم العمليات المهيكلة». قد تتوقع وراءه فريقًا لتحسين الأداء أو تطوير التمويل. لكن شركة أوديبريشت البرازيلية أنشأت بهذا الاسم، عام 2006، وحدة كانت مهمتها الفعلية إدارة الرشاوى. كانت لها موازنات خارج الدفاتر، ونظام اتصالات منفصل، وأسماء رمزية، وقنوات لتمرير المدفوعات. لقد أصبح للفساد مكتب يعمل، وأموال تُعتمد، وأسرار تُحمى.

وبحسب إقرارات الشركة التي كُشفت عام 2016، دفعت نحو 788 مليون دولار رشاوى ضمن مخطط بدأ عام 2001 واستمر أكثر من عقد. 

هنا تتغير صورة الرشوة في الذهن. فالمبلغ لم يكن يُدفع دائمًا لتجاوز إجراء عابر؛ لقد وصل شراء النفوذ إلى القواعد التي تحدد من يربح، وكم يدفع، وبأي شروط يعمل. وحين يمتد التأثير إلى صياغة القاعدة نفسها، قد يدخل المنافس النزيه سباقًا يبدو مفتوحًا، بينما تكون أفضلية خصمه قد كُتبت قبل إعلان البداية.

الأكثر إزعاجًا في هذه القصة هو الاحتراف. نحن نطمئن عادة إلى المؤسسة التي تضبط مصروفاتها وتحمي معلوماتها وتحدد صلاحيات موظفيها. لكن ماذا لو وُظّفت هذه القدرات لخدمة غاية فاسدة؟ قد تصل الدفعة في موعدها، ويُنفَّذ التوجيه بدقة، وتُحفَظ السرية بكفاءة؛ ثم يظهر كل ذلك، من زاوية إدارية ضيقة، بوصفه حسن أداء. لذلك لا تكفي سرعة الإنجاز للحكم على سلامة العمل؛ يجب أن نسأل أيضًا: ماذا أُنجز، ولمصلحة من؟

وهنا تتشكل الحصانة الأخطر: حين يصبح اللقب بديلًا عن التحقق، والمكانة الاجتماعية سببًا للتردد في السؤال، والعلاقات طريقًا للحصول على استثناء لا يتاح للآخرين. تتراكم هذه الاستثناءات حتى ينشأ داخل المؤسسة مساران؛ أحدهما يخضع للشروط، والآخر يستطيع التأثير فيها. ومع الوقت، قد يبدو الامتياز حقًا مكتسبًا، وتبدو مساءلة صاحبه خروجًا على الأعراف.

أما فاتورة ذلك فلا تقف عند حساب المرتشي. تخيّل، في مثال حسابي، رشوة بمليون ريال أسهمت في تمرير عقد يزيد عشرة ملايين على تكلفة بديل مماثل في الجودة. استرداد المليون لا يعالج فارق التكلفة، ولا يعيد تلقائيًا الفرصة إلى المنافس الذي أُبعد. وقد يظل أثر القرار قائمًا طوال سنوات العقد، تدفعه المؤسسة مرة بعد أخرى.

وثمة خسارة أعمق يصعب تسجيلها في القوائم المالية: ما الذي يتعلمه الناس من مشاهدة هذه النتائج؟ عندما يرى الموظف أن القرب من صاحب القرار أهم من جودة العمل، ويرى المستثمر أن الوصول إلى الشبكة أجدى من تطوير المنتج، تتغير وجهة الجهد. يصبح السؤال: «من تعرف؟» أكثر إلحاحًا من سؤال: «ماذا تستطيع أن تقدم؟». عندئذ يمتد الفساد من صفقة خاسرة إلى بيئة تُضعف الحافز على التفوق.

لهذا تحتاج الرقابة إلى الرجوع خطوة تسبق التوقيع: من صاغ الشروط؟ ولماذا اختيرت هذه المواصفات؟ وكيف استُبعدت البدائل؟ وما المبرر للاستثناء؟ فقد يكون المستند مكتملًا، بينما يكون الانحياز قد دخل في القرار قبل أن يتحول إلى مستند.

لقد امتلكت الرشوة في تلك القضية إدارة متخصصة تتابع أداءها. وهذه هي المفارقة التي تستحق أن تبقى في الذهن: يمكن للانحراف أن يعمل بانضباط شديد، وأن يرتدي هيئة الإنجاز. أما الاختبار الحقيقي للمؤسسة فهو قدرتها على مساءلة المستفيد، مهما علا اسمه، وفحص الغاية، مهما اكتملت الأوراق.



محمد بن علي العطيفي

قائد تنفيذي | مستشار استراتيجي | خبير في التحول المؤسسي

محمد بن علي العطيفي

قائد تنفيذي | مستشار استراتيجي | خبير في التحول المؤسسي

محمد بن علي العطيفي

قائد تنفيذي | مستشار استراتيجي | خبير في التحول المؤسسي