المكاشفة الطبقية في التجربة السعودية
حين يفقد اللقب قدرته على إغلاق باب السؤال، تتغير العلاقة بين المكانة والمسؤولية، ويبدأ اختبار المساواة أمام المساءلة.
قد يدخل الاسم إلى الاجتماع قبل صاحبه؛ فيغيّر نبرة الحاضرين، ويختصر الأسئلة، ويمنح الرأي وزنًا لا يستمده من حجته. وقد تكفي الإشارة إلى صلة بشخصية نافذة ليتقدم طلب، أو يتراجع اعتراض، أو يُفتح باب ظل مغلقًا أمام الآخرين. في مثل هذه التفاصيل تبدأ المكانة الاجتماعية بالتحول إلى سلطة غير مكتوبة، ويصبح القرب من النفوذ امتيازًا قائمًا بذاته.
عند هذه الحدود تبرز فكرة «المكاشفة الطبقية»: اللحظة التي تنكشف فيها المسافة بين احترام المكانة ومنحها حصانة. فالمجتمع يستطيع أن يحفظ للناس مقاماتهم، وأن يسألهم في الوقت نفسه عن قراراتهم ومصالحهم ومسؤولياتهم. ويبدأ الخلل حين يصبح السؤال إساءةً للمقام، والتدقيق تشكيكًا في صاحبه، والمطالبة بالمستند خروجًا على أصول التعامل معه. هنا يدفع الحق ثمن المجاملة، وتفقد المؤسسة شيئًا من استقلالها مع كل استثناء.
ومن هذه الزاوية أقرأ الدلالة الاجتماعية لمرحلة الريتز كارلتون في التجربة السعودية. فقد وضعت العلاقة بين النفوذ والمساءلة في صدارة الوعي العام، وأعادت طرح سؤال ظلّت المكانة قادرة على تأجيله: هل يخضع صاحب الاسم اللامع للسؤال نفسه الذي يخضع له سواه؟ في تقديري، تجاوز معنى تلك المرحلة الجانب المالي إلى زعزعة الاعتقاد بأن بلوغ مرتبة معينة من الثراء أو الوجاهة أو السلطة يمنح صاحبها أمانًا دائمًا من المحاسبة.
وتتضح أهمية هذه الرسالة حين نتأمل كيف يعمل النفوذ في الحياة اليومية. فهو لا يحتاج دائمًا إلى أمر مباشر؛ قد يكفي أن يتوقع الموظف غضب شخص مؤثر، أو أن يخشى تأويل موقفه، حتى يمنح استثناءً لم يُطلب منه صراحة. يتراجع السؤال احتياطًا، وتُقدَّم المعاملة مجاملةً، ويُتجاوز الإجراء اتقاءً لعاقبة لم يحددها أحد. وهكذا يصنع المحيطون بصاحب النفوذ حصانةً قد تتسع كلما أحجم أحدهم عن أداء واجبه.
ثم يجد آخرون في هذه الحصانة فرصةً للاستعمال. يستعير أحدهم اسمًا، أو يلوّح بعلاقة، أو يترك للمتلقي أن يتخيل ما وراء طلبه. وتؤدي العبارة العابرة: «أنت تعرف لمن تعود هذه المعاملة» وظيفة توجيه كامل، من دون أن تترك أثرًا واضحًا للمساءلة. لذلك تمتد المكاشفة إلى الوسطاء والمقرّبين، وإلى الثقافة التي تجعل الإيحاء بالنفوذ كافيًا لتغيير مسار القرار.
لكن الرسالة الكبرى تُختبر في المعاملة الصغيرة. تظهر قيمتها حين يطلب الموظف المستند نفسه من الجميع، ويستطيع المراجع مناقشة قرار دون أن ينشغل بمكانة صاحبه، ويُرفض الاستثناء غير المبرر مهما كان الاسم الذي يحمله. وتترسخ حين يعرف الموظف أن التزامه بالإجراء سيحميه، وأن المؤسسة ستسنده إذا أغضب تطبيقه صاحب نفوذ. فمن الصعب مطالبة الأفراد بالشجاعة المهنية إذا تركتهم مؤسساتهم وحدهم أمام تبعاتها.
وللمكاشفة معيار عدالة لا يستقيم معناها من دونه. فاللقب ليس قرينة اتهام، والثروة ليست دليل فساد، والانتماء إلى فئة اجتماعية لا يثبت مخالفة. وإذا كانت المكانة لا تمنح إعفاءً من السؤال، فهي كذلك لا تبرر إهدار الكرامة أو استباق الإثبات. قوة المبدأ في خضوع الجميع لمعيار واحد، يحاسب على الفعل ويحفظ الحقوق، بعيدًا عن الحصانة والتشهير معًا.
ما يعنيني في التجربة السعودية هو انتقال هذه الدلالة من حدث بارز إلى ممارسة مستقرة؛ أن يصبح استقلال القرار عادةً مؤسسية، وأن يُفهم احترام النظام بوصفه جزءًا من احترام المكانة، وأن يقترن اتساع النفوذ بوضوح أكبر في المسؤولية. عندها يسأل صاحب القرار عن سلامة الطلب قبل اسم صاحبه، ويدرك صاحب المكانة أن قدرته على التأثير تستدعي مزيدًا من الانضباط والقدوة.
تبلغ المكاشفة الطبقية غايتها حين يستطيع المجتمع أن يحترم الاسم، وتستطيع المؤسسة أن تسأل صاحبه. فاللقب يبقى لصاحبه، أما الحصانة فلا يمنحها إلا سلامة الموقف.