الذكاء الاصطناعي والفساد: من يكشف الآخر أولًا؟

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي على كشف الفساد، ومتى تتحول توصياته إلى غطاء جديد له؟

قد يراجع المدقق عقدًا فلا يجد مخالفة واضحة؛ السعر قابل للتبرير، والموافقات مكتملة، والمورد مستوفٍ للشروط. لكن ماذا لو ظهرت الصورة نفسها في عشرات العقود، وتكررت الأسماء، وتناوبت شركات بعينها على الفوز، وانتهت المنافسات المختلفة إلى دائرة ضيقة من المستفيدين؟ عندها يصبح السؤال متعلقًا بالعلاقة بين الملفات، وبما تخفيه سلامة كل ملف حين يُقرأ منفردًا.

هنا تبرز إحدى أهم فرص الذكاء الاصطناعي في مكافحة الفساد: توسيع مجال الرؤية. فالقيمة تتجاوز تسريع قراءة المستندات إلى اكتشاف أنماط يصعب ملاحظتها وسط معاملات متفرقة، وجهات متعددة، وسنوات من البيانات. قد يبدو الاستثناء الواحد مفهومًا، بينما يكشف تكراره لصالح الأطراف نفسها عن سؤال يستحق التحقيق.

وتقدم الأبحاث الحديثة اتجاهًا لافتًا في هذا المجال. ففي ورقة بحثية أولية أتيحت أواخر عام 2025، درس الباحثون Martí  Medina-Hernández وJanos Kertész وMihály Fazekas  بيانات المشتريات الحكومية وسجلات الموردين المعاقَبين في المكسيك. وجمعوا بين تعلّم الآلة وتحليل شبكات التعاقد، فكانت خصائص موقع المورد والعقد داخل الشبكة من أهم عناصر التنبؤ في النموذج. الدلالة هنا مهمة: العلاقات بين المتعاملين قد تضيف إلى تقدير المخاطر ما لا تكشفه خصائص العقد وحده. وتظل النتيجة مرتبطة بسياق الدراسة، ولا تجعل كل علاقة متكررة بين مشترٍ ومورد موضع إدانة.

لكن الدراسة تلفت إلى مشكلة أعمق: كيف نعلّم الآلة التمييز بين الفساد والنزاهة، ونحن لا نعرف كل حالات الفساد أصلًا؟ فعدم معاقبة مورد لا يثبت سلامة جميع معاملاته. وإذا اعتبرنا كل ما لم يُكتشف نزيهًا، فقد ندرّب النظام على الاطمئنان إلى مخالفات نجحت في الإفلات من الرقابة. لهذا استخدم الباحثون منهج Positive-Unlabeled Learning، الذي يتعلم من الحالات المعروفة والبيانات غير المصنفة، دون افتراض أن كل حالة مجهولة سليمة.

وهذه مسألة إدارية بقدر ما هي تقنية. فالمؤسسة التي تُدخل تاريخ قراراتها إلى نموذج ذكي تحتاج أولًا إلى مساءلة ذلك التاريخ. ماذا لو كانت بعض الاستثناءات غير المبررة قد استقرت سنوات حتى أصبحت ممارسة معتادة؟ وما الذي سيتعلمه النظام إذا كانت النتائج المسجلة تعكس قوة العلاقات أكثر مما تعكس جودة الأداء؟ في مثل هذا السيناريو، قد يكتسب الانحياز القديم سرعة جديدة وواجهة تبدو موضوعية.

ومن هنا أرى أن أخطر عبارة يمكن أن تتسلل إلى غرفة القرار هي: «النظام أوصى بذلك». فهي قد تنهي النقاش في اللحظة التي يجب أن يبدأ فيها. من حدد معايير التقييم؟ وما المعلومات التي غابت؟ وهل نستطيع تفسير النتيجة ومراجعتها؟ إن نقل التوصية إلى خوارزمية لا ينقل إليها مسؤولية القرار، ولا يمنح مخرجاتها حصانة من السؤال.

والذكاء الاصطناعي ليس تقنية واحدة تؤدي الوظائف نفسها. فتحليل شبكات الموردين يختلف عن كشف المعاملات غير المعتادة، وكلاهما يختلف عن نموذج لغوي يصوغ ملخصًا مقنعًا. وفي العمل الرقابي، ينبغي أن نطلب من كل أداة ما يمكن التحقق منه: الإشارة إلى المستند، وتحديد موضع التناقض، وإتاحة إعادة الفحص. أما النص الواثق، مهما بلغت بلاغته، فلا يقوم مقام الدليل.

وفي المقابل، ينبغي التفكير في احتمال توظيف الأدوات التوليدية لصناعة تبريرات أكثر إقناعًا أو محتوى مضلل يدعم معاملة مشبوهة. ويؤكد المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتقنية National Institute of Standards and Technology (NIST)، في إطاره الخاص بمخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي الصادر عام 2024، أهمية إدخال اعتبارات الموثوقية في تصميم الأنظمة واستخدامها وتقييمها. وفي سياق مكافحة الفساد، أرى أن ذلك يقتضي إخضاع الأداة الرقابية نفسها للفحص، وضبط صلاحيات تعديل بياناتها ونماذجها، وحفظ سجل يتيح تتبّع التغييرات ومراجعتها.

لذلك أقيس السبق الإداري بقدرة المؤسسة على تحويل الإشارة إلى فحص مسؤول. فإذا رفع النظام مستوى مخاطر معاملة، وجب أن يجد التنبيه شخصًا مؤهلًا يراجعه، ومسارًا واضحًا للتحقق، وحمايةً لحقوق الأطراف. فكثرة التنبيهات قد تصنع ازدحامًا رقابيًا، أما القيمة فتظهر في جودة ما يُكتشف، وسرعة ما يُعالج، والضرر الذي يمكن منعه قبل وقوعه.

وتنشأ الميزة التنافسية حين تحمي هذه القدرة عدالة الاختيار وجودة الإنفاق، فتمنح المورد الأكفأ فرصة، وتمنع الاستثناء غير المبرر من التحول إلى تكلفة دائمة. عندها يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من جودة الإدارة وثقة المتعاملين فيها.

يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يدلنا على ما يستحق السؤال؛ وتبقى نزاهة المؤسسة في استعدادها لطرح السؤال، مهما كان اسم المستفيد.



محمد بن علي العطيفي

قائد تنفيذي | مستشار استراتيجي | خبير في التحول المؤسسي

محمد بن علي العطيفي

قائد تنفيذي | مستشار استراتيجي | خبير في التحول المؤسسي

محمد بن علي العطيفي

قائد تنفيذي | مستشار استراتيجي | خبير في التحول المؤسسي